محمد جواد مغنية
27
عقليات إسلامية
قال فرنسيس بيكون : « ان عقل الانسان قد يقف عندما يصادفه من أسباب ثانوية مبعثره ، فلا يتابع السير وراءها ، ولكنه إذا أمعن النظر فشهد سلسلة الأسباب كيف تتصل حلقاتها لا يجد بدا من التسليم باللّه . . . » أين يوجد اللّه : ومن أوهامهم أيضا هذا التساؤل : أين يوجد اللّه ؟ والسؤال ، كما ترى ، وجيه في ظاهره ، ولكنه يحتوي على مغالطة منطقية في الواقع ، لأن الذي يسأل عن مكان وجوده هو الذي وجد بعد أن صح التعبير ، حيث لا زمان ولامكان ، أما الأول بلا أول كان قبله ، والآخر بلا آخر يكون بعده ، أما الذي لا يحتاج وجوده إلى علة فلا يقال أين كان ؟ والمفروض ان علة وجود الخالق ذاتية لا تنفك عنه بحال ، وما هو من لوازم الذات لا يسأل عنه بزمان أو مكان ، فلا يقال متى كانت النار حارة ؟ وأين توجد الحرارة فيها ؟ ولا متى كان الثلج باردا ؟ وفي أي مكان تستقر فيه البرودة ، ولا يقال متى كان الجسم قابلا للابعاد الثلاثة : الطول والكتلة والزمن ؟ وأين توجد هذه القابلية في الجسم . ومتى لم توجد فيه حتى يقال متى وجدت ؟ ! وأي جانب من الجسم خلا من القابلية للابعاد حتى يقال في أي جانب تكمن ، فكذلك سؤال « أين يوجد اللّه ؟ ومتى وجد ؟ » إذ متى لم يوجد حتى يقال متى وجد ؟ ! وأي مكان لا يوجد فيه أثره حتى يقال أين يوجد ؟ ! انه دائم لا بزمن ، وكائن لا بحلول . إن الجاهل هو الذي يسأل هذا السؤال ، لأنه يقيس الخالق بالمخلو وو يشبه من لا يرى بما يرى ، إن وجود اللّه سبحانه مباين لوجود الكائنات التي توجد في مكان دون مكان . ولو شغل مكانا خاصا لخلت منه بقية الأمكنة ، ولكان جسما مفتقرا إلى حيّز مع أنه غني عن كل شيء .